ما الصلح في النظام السعودي؟
الصلح عقد يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً بينهما أو يتوقيان به نزاعاً محتملاً، بأن يتنازل كل منهما عن جزء من ادعائه. وقد نظم نظام المعاملات المدنية عقد الصلح ضمن العقود المسماة، فبيّن أركانه وآثاره، ومن أهمها أن الصلح يُنهي ما تناوله من نزاع ويُسقط ما تنازل عنه كل طرف.
ويجوز الصلح في الحقوق المالية والتجارية والعمالية وكثير من مسائل الأحوال الشخصية، لكنه لا يجوز فيما يتعلق بالنظام العام، كتحليل محرم أو التنازل عن حق لا يملك الطرف التصرف فيه. كما يمكن أن يقع الصلح قبل رفع الدعوى أو أثناء نظرها؛ فيجوز للخصوم في أي حال تكون عليها الدعوى أن يطلبوا من المحكمة إثبات ما اتفقوا عليه من صلح في محضر الجلسة، فتصدر به صكاً. ولقراءة القواعد العامة للعقود في النظام الجديد، راجع دليل نظام المعاملات المدنية.
ما منصة تراضي وكيف تعمل؟
منصة تراضي هي المنصة الإلكترونية لمركز المصالحة التابع لوزارة العدل، وتتيح للأطراف طلب الصلح وعقد جلساته حضورياً أو عن بعد، بإجراءات مؤتمتة تبدأ بتقديم الطلب وتنتهي بإصدار وثيقة الصلح. ويتولى الجلسات مصلحون من منسوبي الوزارة أو من المصلحين المعتمدين، يُختارون بحسب نوع النزاع.
- الدخول إلى منصة تراضي واختيار طلب صلح جديد.
- تعبئة بيانات الأطراف وموضوع النزاع والطلبات.
- إشعار الطرف الآخر وتحديد موعد الجلسة.
- عقد جلسة الصلح بحضور المصلح.
- إصدار وثيقة الصلح عند الاتفاق، أو إنهاء الطلب عند تعذره.
والمشاركة في الصلح اختيارية في الأصل؛ فإذا لم يتفق الطرفان بقي لكل منهما حقه في اللجوء إلى المحكمة المختصة، ويحرص الأطراف عادة على أن تُقدَّم العروض في جلسات الصلح دون إقرار بأصل الحق، حتى لا تُستعمل لاحقاً في الدعوى إذا تعذر الاتفاق.
هل صك الصلح سند تنفيذي؟
نعم. نصت المادة التاسعة من نظام التنفيذ النافذ على أن من السندات التنفيذية «محاضر الصلح التي تصدرها الجهات المخولة بذلك أو التي تصدق عليها المحاكم»، وتؤكد وزارة العدل أن وثائق الصلح الصادرة عبر منصة تراضي سندات تنفيذية يمكن تقديمها مباشرة إلى محكمة التنفيذ دون حاجة إلى دعوى جديدة.
وهذه هي القيمة الحقيقية للصلح الموثق: فالاتفاق العادي المكتوب بين الطرفين عقد ملزم، لكن إذا أخل به أحدهما احتاج الآخر غالباً إلى دعوى لإثباته والحكم به، أما صك الصلح فيُنفَّذ مباشرة. وقد صدر نظام تنفيذ جديد بالمرسوم الملكي رقم (م/237) وتاريخ 3/11/1447هـ، ولم يدخل حيز النفاذ حتى تاريخ كتابة هذا المقال، فيبقى النظام الحالي هو المطبق إلى حين نفاذه. وللتعرف على إجراءات التنفيذ، اقرأ دليل محكمة التنفيذ.
ما الوساطة وما الفرق بينها وبين الصلح؟
الوساطة وسيلة يساعد فيها طرف ثالث محايد الطرفين على التفاوض والوصول إلى حل يرتضيانه، دون أن يملك سلطة فرض قرار عليهما. فالوساطة هي الطريق، والصلح هو النتيجة التي قد تنتهي إليها.
وتجري الوساطة في السعودية بصور متعددة: الصلح عبر مركز المصالحة بوزارة العدل، والتسوية الودية في النزاعات العمالية لدى وزارة الموارد البشرية كما في التسوية الودية للخلافات العمالية، والوساطة التجارية التي تقدمها مراكز متخصصة كالمركز السعودي للتحكيم التجاري. والفرق العملي المهم هو في قوة الاتفاق الناتج: فإذا صدر من جهة مخولة أو صدّقت عليه المحكمة كان سنداً تنفيذياً، وإذا بقي اتفاقاً خاصاً غير موثق كان عقداً ملزماً يحتاج تنفيذه عند الإخلال إلى دعوى. ولهذا يحسن، عند الوصول إلى اتفاق عبر وساطة خاصة، توثيقه بطريق يمنحه القوة التنفيذية.
ما التحكيم التجاري وكيف يختلف عن الصلح والوساطة؟
التحكيم اتفاق الطرفين على إحالة نزاعهما إلى محكم أو هيئة تحكيم تصدر حكماً ملزماً بدلاً من المحكمة. وينظمه نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ، ويشترط أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً، سواء ورد شرطاً في العقد أو اتفاقاً مستقلاً بعد نشوء النزاع.
- من يقرر: في الصلح والوساطة يقرر الطرفان، وفي التحكيم تقرر هيئة التحكيم.
- الإلزام: الوسيط لا يفرض حلاً، أما حكم التحكيم فملزم ولو لم يرضَ به أحد الطرفين.
- التنفيذ: صك الصلح الصادر من جهة مخولة سند تنفيذي مباشرة، وحكم التحكيم يُنفذ بعد إصدار أمر بتنفيذه وفق نظام التحكيم.
- الطعن: لا يُستأنف حكم التحكيم، وإنما تجوز دعوى بطلانه لأسباب محددة حصراً في النظام.
- العلاقة: الصلح والوساطة يحفظان العلاقة غالباً، والتحكيم خصومة كاملة وإن كانت أكثر خصوصية من القضاء.
ويُراعى أن التحكيم التجاري ليس متاحاً في كل نزاع؛ فالمسائل التي لا يجوز فيها الصلح لا يجوز فيها التحكيم كذلك، وبعض العقود مع الجهات الحكومية تحتاج إلى موافقة خاصة قبل الاتفاق عليه. كما أن صياغة شرط التحكيم تؤثر مباشرة في صحته وكلفته؛ فالشرط الذي لا يحدد طريقة تعيين المحكمين أو مقر التحكيم قد يفتح نزاعاً إجرائياً قبل الوصول إلى الموضوع.
متى تختار الصلح أو الوساطة أو التحكيم؟
لا يوجد طريق أفضل في المطلق؛ فالاختيار يتوقف على طبيعة النزاع والعلاقة بين الطرفين وما يُراد تحقيقه:
- الصلح أو الوساطة: عندما تكون العلاقة مستمرة، كشركاء أو مورد وعميل دائم، أو عندما يكون الخلاف على المبلغ لا على أصل الحق، أو عند الحاجة إلى حل سريع منخفض التكلفة مع السرية.
- التحكيم: في العقود التجارية الكبيرة أو الفنية التي تحتاج إلى محكم متخصص، أو عند وجود طرف أجنبي، أو عندما تكون السرية أولوية مع الحاجة إلى حكم ملزم.
- القضاء: عندما يرفض الطرف الآخر أي تفاوض، أو عند الحاجة إلى إجراءات وقتية لا تتيحها الطرق الأخرى، أو حين لا يوجد اتفاق تحكيم.
ويمكن الجمع بينها؛ فكثير من العقود تنص على تفاوض ثم وساطة، ثم تحكيم أو قضاء إذا لم ينجحا. وفي النزاعات التجارية أمام المحكمة التجارية يظل باب الصلح مفتوحاً في أي مرحلة.
كيف تستعد لجلسة الصلح أو الوساطة؟
نجاح جلسة الصلح يتوقف في الغالب على ما يحدث قبلها: معرفة الحد الأدنى المقبول، وفهم موقف الطرف الآخر، وتقدير ما ستكلفه الدعوى وقتاً وجهداً إذا فشل الاتفاق.
- اجمع العقد والمراسلات والفواتير وكشوف الحساب التي تثبت المطالبة.
- احسب المبلغ المطالب به بدقة، وافصل بين أصل الحق والتعويض والمصروفات.
- حدد مسبقاً ما يمكن التنازل عنه وما لا يمكن، وما البدائل المقبولة كالتقسيط أو المقاصة.
- تحقق من أن من يحضر عن الطرف الآخر يملك صلاحية التوقيع على الصلح.
- راجع مدة سماع الدعوى، فالتفاوض الطويل لا يوقف سريانها في جميع الأحوال.
والصلح المتسرع قد يكون أسوأ من النزاع نفسه إذا تنازل فيه الطرف عن حق لم يقدر قيمته، ولذلك تستحق مسودة الاتفاق قراءة متأنية قبل التوقيع، خاصة بنود الإبراء الشامل.
كيف تصوغ اتفاق صلح أو شرط تسوية فعالاً؟
الاتفاق الغامض قد يفتح نزاعاً جديداً بدل أن ينهي القديم. ولذلك تُراعى في صياغة الصلح النقاط الآتية:
- تحديد النزاع الذي يحسمه الصلح بدقة، وهل يشمل جميع المطالبات أم بعضها.
- بيان المبالغ ومواعيد سدادها وطريقته، وأثر التأخر في أي دفعة.
- النص على إبراء متبادل في حدود ما تناوله الصلح فقط.
- بيان مصير الدعاوى القائمة، كتركها أو إثبات الصلح فيها.
- توثيق الاتفاق عبر جهة مخولة أو المحكمة ليكتسب القوة التنفيذية.
أما في العقود، فشرط تسوية النزاعات يُكتب قبل وقوع الخلاف: هل يبدأ بالتفاوض؟ وما مدته؟ وهل يُحال إلى وساطة ثم تحكيم؟ وما مقر التحكيم ولغته وعدد المحكمين؟ ويمكن طلب استشارة لمراجعة اتفاق الصلح أو شرط التسوية قبل توقيعه.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الصلح والتحكيم؟
في الصلح يتفق الطرفان بأنفسهما على حل النزاع بتنازل متبادل، وقد يساعدهما مصلح أو وسيط. أما في التحكيم فيُحيلان النزاع إلى هيئة تحكيم تصدر حكماً ملزماً لهما ولو لم يرضيا بمضمونه، ولا يُطعن فيه إلا بدعوى البطلان لأسباب محددة.
هل وثيقة الصلح من منصة تراضي ملزمة؟
نعم، وثيقة الصلح الصادرة عبر منصة تراضي سند تنفيذي وفق ما تؤكده وزارة العدل، استناداً إلى المادة التاسعة من نظام التنفيذ التي تعد محاضر الصلح الصادرة من الجهات المخولة سندات تنفيذية، فتُقدَّم مباشرة إلى محكمة التنفيذ عند الإخلال بها.
هل الصلح إلزامي قبل رفع الدعوى؟
الأصل أن الصلح اختياري، لكن بعض الأنظمة توجب مرحلة تسوية قبل التقاضي، كالتسوية الودية لدى وزارة الموارد البشرية في النزاعات العمالية. ويُراجع النظام المنطبق على كل نزاع لمعرفة ما إذا كانت هناك مرحلة سابقة واجبة.
هل يجوز الصلح أثناء نظر الدعوى؟
نعم، يجوز للخصوم في أي مرحلة تكون عليها الدعوى أن يطلبوا من المحكمة إثبات ما اتفقوا عليه من صلح، فتصدر به صكاً تنتهي به الخصومة فيما تناوله الصلح.
هل اتفاق الوساطة الخاص قابل للتنفيذ مباشرة؟
الاتفاق الخاص الناتج عن وساطة غير موثقة عقد ملزم، لكنه لا يُعد سنداً تنفيذياً بذاته، فيحتاج تنفيذه عند الإخلال إلى دعوى في الغالب. ولذلك يحسن توثيقه عبر جهة مخولة أو تصديقه من المحكمة ليكتسب القوة التنفيذية.
هل يشترط أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً؟
نعم، يشترط نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً، سواء كان شرطاً في العقد قبل النزاع أو اتفاقاً مستقلاً بعد نشوئه، وإلا لم يُعتد به.
مراجع رسمية
المركز الوطني للوثائق والمحفوظات (أم القرى): مرسوم ملكي رقم م/237 بالموافقة على نظام التنفيذوزارة الاستثمار: نظام التحكيم
صحيفة الوطن: خدمات المصالحة عبر منصة تراضي
صحيفة عكاظ: منصة تراضي ووثائق الصلح سندات تنفيذية
موقع محاماة نت: نظام التنفيذ السعودي (المادة التاسعة)
عاجل: مواد عقدي القرض والصلح في نظام المعاملات المدنية
هذا محتوى إرشادي عام ولا يُعد استشارة قانونية لحالة بعينها. قد تتغير الأنظمة ولوائحها، فراجع النص الرسمي المحدث، ويُحدد الموقف القانوني بعد دراسة الوقائع والمستندات.